صدى القسوة -جيهان سرور
صَدَى القَسْوةِ
النهاية الأولى:
لم تُطق الأم صبرًا بعد طول انتظار. كانت تشعر أن الخيوط كلها تؤدي إلى رجلٍ واحد: العم الأصغر الذي تولَّى أمر زواج نرمين.
ذهبت إليه في مكتبه، بخطواتٍ مثقلةٍ بالهمِّ.. رفع رأسه متفاجئًا برؤيتها، ثم أشار إلى المقعد أمامه.
جلست دون تمهيد، وقالت بنبرةٍ مباشرةٍ متوترة:
- جئتُ لأفهم ما يجري. أنتَ من أتممتَ زواج نرمين، وأنت تعرف زوجها أكثر من أيِّ أحد. أخبرني، ما الذي يحدث؟
قال بهدوءٍ مُتزنٍ لا يخلو من الحذر:
- لا أعرف عن زوجها إلا ما تعرفينه أنتِ. جاءني بناءً على طلبكِ، فالتقيتُه ووجدتُه شابًّا مهذبًا، لا أكثر.
قاطعَتْه بعينين مشتعلين غضبًا:
- كُفَّ عن هذا التهرُّب. لا يمكن أن يكون الأمر صدفة. لا أحد يقترب من ابنتي دون علمك، ولا أحد يجرؤ على الزواج منها دون إذنك. أنت مَن زكَّيته.. أنت مَن دفعتَ به إلينا!
تنفَّس العم بعُمق، وأطرق برهةً قبل أن يقول بنبرةٍ متعبةٍ يختلط فيها الحزن بالمرارة:
- ظننتُ أني أقدِّم لكم الخير لا الشرَّ. رأيتُ فيه رجلًا مستقيمًا، فقلت خيرًا، ولم أكن أعلم أن النية الحسنة قد تنقلب تُهمة.
قالت بحدَّةٍ ممزوجةٍ بالدموع:
- بل كنتَ تعلم كل شيء! اخترتَه بعنايةٍ ليؤدِّبنا جميعًا. أنتَ وإخوتُك وكل مَن حَمل ضغينةً لهذا البيت!
نظر إليها طويلًا ولم يُجب. كان في عينيه ما يُشبه الإشفاق أكثر من الغضب.
وفي نفسه تمتم بصوتٍ لا يسمعه أحد:
"يا ربُّ، أيُّ عقلٍ هذا الذي يسكنها؟! عقلٌ أعمته الريبة حتى صارت ترى في كل يدٍ ممدودةٍ بالخير خنجرًا خفيًّا. سبحانك! كيف تجعل بعض الناس ابتلاءً للقلوب، يختبرون فيهم الصبر والعفو! والله ما خطر لي يومًا أن أؤذي أخي في بناته، ولو فعلوا بي ما فعلوا".
وبينما كانت الأم تغادر المكان بخطواتٍ سريعة يعلوها الغضب، ظلَّ هو جالسًا في مكانه، يحدِّق في الباب المغلق أمامه، وتمتم بنبرةٍ خافتةٍ غلَّفها الاشمئزاز:
"يا لعناد تلك المرأة! كم أفسدت مَن حولها! جعلت البيت ساحة حرب، لا دفءَ فيه ولا مودة، ثم تتحدَّث عن الظلم وكأنها لم تزرع سببه بيديها".
أطرق قليلًا، وقد تسرَّبت إلى ذهنه آخر زيارةٍ رافق فيها شقيقه إلى الطبيب.
كان الطبيب يُقلب أوراق الفحوصات ببطءٍ قبل أن يرفع بصره قائلًا بنبرةٍ مترددة:
- حالته ليست "زهايمر" كما يظنُّ البعض.. إنها أقرب إلى انسحابٍ نفسيٍّ كامل. هو لم يفقد ذاكرته، بل تخلَّى عنها طوعًا. الضغط المُستمر، واللوم، وإحساسه بالعجز أمام مَن يحب.. دفعته إلى الهرب من الحياة نفسها.
تذكَّر حينها كيف جلس أخوه وقتها صامتًا، بعينين شاحبتين، كأنه أُغلق على نفسه خوفًا من مزيدٍ من الجراح.
لم يكن غائبًا عن الوعي، بل رافضًا للعودة إليه.
ثم تنهَّد بمرارةٍ عميقةٍ وهو يهمس في نفسه:
"لم يقتلك المرض يا أخي، بل قتلتك تلك المرأة بلسانها القاسي وعقلها المريض. جرَّدتك من بناتك، ثم من نفسك، حتى صِرتَ ظلًّا لإنسانٍ كان يومًا أعقلنا وأرحمنا".
أغمض عينيه لحظةً، ثم نهض ببطءٍ وهو يقول في سرِّه:
"لكن الدنيا، كما نعرفها، لا تُبقي شيئًا على حاله. هي دوَّارة، تعيد الكأس إلى من ملأها ظلمًا، ليتجرَّع منها يومًا ما سكبه بيديه".
***
النهاية الثانية:
جلس الزوج في مقعده الوثير، يراقب من بعيد انهيار والدة زوجته، وذبول نرمين يومًا بعد يوم.
كان في ملامحه شيء من الارتياح البارد، كأنه يشهد عدالة خفيَّة تتجسد أمام عينيه.
تمتم في سرِّه بنغمةٍ متشفِّية هادئة:
"ها قد تجرَّعتِ ما سقَيتِه لغيركِ، ونالت ابنتاكِ ما صنعَتْ يداكِ".
لم يكن ذلك المقهى بالنسبة له مجرَّد مصدر رزق؛ كان مملكته الصغيرة، ومسرح أسراره.
هو مالكه، ومَن زرع في كل طاولةٍ جهاز تصنتٍ صغيرًا، يقتات به على حكايات الناس.
كان يُصغي إلى الزبائن في فراغه، لا بحثًا عن فضولٍ تافه، بل عن رفقةٍ بديلةٍ لحياةٍ خلت من الأهل والحنان.
وُلد يتيمًا، فعرف مبكرًا طعم الفقد..
منذ صِغره، صار صوته الداخلي يقول له إن القصص التي يسمعها من الناس، هي ما تبقَّى له من الحياة.
حتى جاءت تلك الليلة، حين استمع صدفةً إلى حديثٍ بين يارا وصديقتها، في زاويةٍ هادئةٍ من مقهاه.
كانت كلمات الغضب والاتهام تنسكب من فم الفتاة كخناجر، تطعن أبًا مريضًا بلا رحمة.
توقَّف عند اسم "الأب"، وعند حكاية "العجز والهجر"، وشعر بشيءٍ يشتعل في صدره.. مزيجٍ من الغضب والشفقة، ومن رغبةٍ دفينةٍ في الانتقام لآباءٍ غُلبوا على أمرهم.
وحين عرف أن شقيقتها نرمين ترفض الزواج من رجل له أم أو إخوة، رأى في الأمر فرصته.. مغامرةً تحمل مذاق العدالة القاسية.
اقترب، وتقدَّم، وتزوجها.. لا حبًّا، بل انتقامًا باسم كل أبٍ مكسورٍ على يد أنثى قاسية القلب.
لم يشعر بالذنب لحظةً واحدة، بل كان يؤمن أن ما فعله استردادٌ للحقوق..
أن ما ذاقته الأم من فَقدٍ وندمٍ، وما ذاقته الابنة من هجرٍ وبُعد.. ليس إلا انعكاسًا لما فعلوه هم بأبيهم من قبل.
ابتسم ابتسامةً باهتة، ثم رفع نظره إلى سقف المقهى، حيث تختبئ أجهزة التصنت في زوايا خفية.
كان كلُّ ما حوله يذكِّره بأيامٍ مضت، بطفولته التي سُرقت منه على يد أمٍّ لم تعرف إلا أن تُبغِّضه في أبيه.
ومع مرور الوقت، بدأت الحقيقة تنكشف له قطعةً بعد أخرى، من رسائل قديمة، ومن شهاداتٍ دفنتها السنوات.
حين اكتشف ما فعلته أمُّه به وبأبيه، شعر بأنَّ الجدار الذي بنته بينهما لم يفصل رجلًا عن ابنه فحسب، بل فَصَل الرحمة عن قلبٍ صغيرٍ كان يمكن أن يحبَّ العالم كله!
همس في نفسه ببرودٍ قاسٍ:
"الدنيا دوَّارة حقًّا.. ما من ظُلم يُنسى، وما من وجعٍ يضيع سُدًى".
تعليقات
إرسال تعليق