المشاركات

الأُسْتَاذ عَارِف- صفاء متولي

 الأُسْتَاذ عَارِف النهاية الأولى: استوقفت المُسنة السيارة وهبطت منها وهي تنظرُ إليه وتقول: "لا تتحدَّث عني بسوءٍ وتقول عجوز قبيحة! فأنا ما زلتُ بصحَّتي وأستطيع الدخول والخروج وإحصاء النقود بكل بساطة ويُسر.. فعلتُ ما رفضتَ أنت فِعله.. هل فهمت؟". نظر إليها الأستاذ عارف وقد ابتلع لسانه، غير مُصدق ما يسمع، وابتسم الجميع شماتةً فيه، وهو ينظر حوله متململًا في جِلسته خجلًا ممَّا حدث، وقد التزم الصمت تمامًا، حتى جاء دوره فحمحم قليلًا وقال بتردُّد وبصوت منخفض: "هنا"، ثم أدرك أن السَّائق لم يسمعه فرفع صوته قليلًا: "هنا لو سمحت". وقفت السيارة جانبًا وهبط منها في صمت تامٍّ والجميع يراقبه. تحرَّكت السيارة لتواصل طريقها، فعلَّق الحاجُّ فايز أخيرًا قائلًا وهو يهزُّ رأسه يمينًا ويسارًا: "لم يتغير، ولن يتغير. الأستاذ عارف.. العارفُ بكل شيءٍ". *** النهاية الثانية: ظلَّ الأستاذ عارف هكذا؛ يتحدَّث بتشتُّت في الكثير من المواضيع، وينقد الكثير، ويتنمَّر على الكل، دون أن يُنصت له أحد أو يستوقفه أحدٌ، حتى جاء دورُه في الرحيل، فاستوقف السَّائق قائلًا بأعلى صوته: "...

السَّجانَة- هند عفيفي

 السَّجانَة النهاية الأولى: بعد جمع التحريات لمدة أسبوع وإنهاء التحقيقات، تيقَّن المقدم حامد من أن دافع الجريمة كان بغرض الانتقام، وبدأ في مراجعة أقوال الجميع، واستوقفته أقوال الابن الناجي الوحيد من تلك الأسرة، وكيف اكتشف الواقعة، وأنه بسؤاله عن عدم وجود مفتاح معه للمنزل أجاب بأنه في ذلك اليوم نسي مفتاحه في الغرفة ولم يأخذه معه، وإصراره طيلة التحقيقات على أن الجريمة ما هي إلا انتقام من أحد خصوم والده.. بدأ الشكُّ يتسلل إليه، وقرَّر إجراء معاينة لمسرح الجريمة مرة أخرى. في اليوم التالي، توجَّه المقدم حامد إلى العمارة المقابلة لمنزل المجني عليهم؛ للتأكُّد من رواية الابن، وأثناء معاينته ومحاولة رؤية رُدهة المنزل من خلال سطح العمارة، تبيَّن أنه لا يمكنه أن يرى الجُثث الملقاة على الأرض من موقعه، فتأكَّد أن حلَّ لغز هذه الجريمة في هذا الابن. توجَّه المقدم حامد إلى مكتبه مرة أخرى، وطلب استجواب الابن، وبدأ بتوجيه تُهمة قتل أسرته بالكامل إليه، ومواجهته بأنه لا يمكنه أن يرى الجثث من سطح العمارة المقابلة كما قال.. أنكر الابن كل الاتهامات، واستمرَّ على ذلك نحو ثلاث ساعات متواصلة مع بكاء هيس...

مَدينةُ الضَّبابِ- هبة كامل

 مَدينةُ الضَّبابِ النهاية الأولى: أفاق نور على بياض كثيف لا زمنَ فيه ولا مكان. بحث بعينيه عن مرسمه.. عن لوحاته.. عن أمل، فلم يجد سوى ظِله يرسم على جِدار رمادي لوحة؛ مدينة يغشاها الضَّباب. اقترب أكثر، فرأى أن اليد التي ترسم ليست يده، وأن اللوحة التي أمامه لم تكتمل بعد... في تلك اللحظة، أدرك أن المدينة ليست في مكان خارج نفسه، بل في داخله. لقد دخل عقله ذاته.. عالَم الذاكرة حين يختلط بالحلم. ابتسم في هدوء، كمن فهم أخيرًا سر اللوحة.. ثم تلاشى صوتُه في الضَّباب. *** النهاية الثانية: لم يعد نور يقاوم. ترك الفرشاة تسقط من يده، فارتطمت بالأرض وأطلقت دويًّا يُشبه دقة قلب واحدة. الضَّباب بدأ يتحرك كأنه يتنفَّس، ودوائر من الضوء خرجت من اللوحة تدور حوله ببطء! سمع صوت أمل، ناعمًا كنسيم قديم، يقول: "لا ترسم لتتذكَّر يا نور.. ارسم لتخلق من جديد". رفع رأسه نحو السماء الرَّمادية، فوجد الألوان تتناثر مِن حوله كأسراب طيور، كل لون منها حمل ذكرى من حياته، ثم طار مبتعدًا حتى اختفى في الضَّباب. ابتسم وهو يشعر بالخِفة، كأن الحِمل عن كتفيه زال. لم يَخفِ النسيان؛ صار جزءًا من الألوان نفسها.. من الضوء...

يَومٌ فِي السَّاحلِ- مي وحش

 يَومٌ فِي السَّاحلِ النهاية الأولى: إنه هو.. محمود. كنت على وشك الارتماء بأحضانه، ولكنه ابتعد خطوات ليُنبهني إلى أنه لا يُمكننا فعل ذلك. أمسك يدي التي أصبحت كقطعة ثلج في القطب الشمالي وقال لي: "ما تخافيش، ده شامل صاحبي، ودي عربية خاله.. أصله راجل مُتصابي شوية. وابتسم ابتسامة جعلتني أرى دفء العالم حولي. شكر السائق على وجوده معي، وأخذني من يدي لدفء السيارة. بلمح البصر كنت بمنزلي. طمأنني بأني ما زلتُ على روايتي القديمة، ولم يعلم بكذبي أحد. شكرتُه وأنا أشعر بحُبه يطوف بكياني؛ فالحُب هو الأمان.. ولم أشعر بأمان قدر ما شعرت حينما رأيتُه. احتضنتُ أمي وإخوتي، ونمت في سريري الذي يتسع لثلاثتا، وأنا أشعر أني أملك كل الدنيا بهذه الغُرفة الصغيرة، وتلك الجدران المتهالكة.. *** النهاية الثانية: رجل يبلغ الستين من العمر، يرتدي بنطالًا وحذاءً لا يمتُّ لسنِّه بِصلة.. حتى قميصُه كان من الحرير، مرسوم عليه مزيج من السلاسل والأشكال العجيبة. عدَّل بنطاله الذي كاد يسقط منه، واقترب مني بضع خُطوات قائلًا: "تيجي أوصلك ولا مستنية حد"؟ شعره الأبيض الذي يكسو قليلًا من رأسه الأصلع، وتجاعيد وجهه....

حَارِسُ الكَنزِ الأَخِيرِ- شيماء جاد

 حَارِسُ الكَنزِ الأَخِيرِ النهاية الأولى: استجاب نوح. داخله رغبة رهيبة أن يكتب لحياته قصة، وأن يصبح وجوده ذا مغزى؛ فما فائدة الحياة إن كنا سنعيش ونموت دون أن نزرع شجرة ينتفع بظلها غيرنا! تحرك خلف الفارس.. لمس الجدار الصلب بيديه العاريتين، فلم يجد ما يساعده على المرور مثلما فعل الفارس المضيء، إذًا هناك طريق مختلف يجب العبور منه. سار على مد الجدار مدققًا ومحدقًا بانتباه تام، ولما يئس أطرق برأسه وزفر، حينها رأى ما عجزت عيناه عن رؤيته عندما كان مستقيمًا، مال للأسفل فأزاح قطعة القرميد المهملة، وهناك وجد ذراعًا صغيرة، أدارها وقد تلبسته الحكمة قائلًا: نحتاج أحيانًا للنظر إلى موضع أقدامنا، فالطريق للأمام قد تصبح وعرة، والنظر على مدِّ أبصارنا لا يساعد طوال الوقت. انزاح الجدار مظهرًا خلفه غرفة مبهرة، انحبست أنفاسه بينما يتطلع إلى تلك الحجرة التي تشبه مكتبة عريقة.. كتب ضخمة، مجلدات لها غلاف جلدي، والغريب أن الغرفة لم تفح منها رائحة الرطوبة، أو نثرت الأتربة نفسها عليها، إنما نالتها يد الزمان فقط، متمثلة في شكل الكتب، والخطوط العربية التي رُسمت على كل الجدران كأنها محراب صلاة. انغلق الباب خلفه...

ظِلٌّ لا يَعرِفُ المُستَحيلَ- سارة الجندي

 ظِلٌّ لا يَعرِفُ المُستَحيلَ النهاية الأولى: في تلك الليلة، جلست في عيادة الطبيب "معاذ"، الذي أصبح ملجأها قبل أن يكون طبيبها. حكت له كل شيء منذ طفولتها بالتفصيل. تكلَّمت طويلاً.. كلماتها كانت تتساقط كالمطر على وجهٍ جافٍّ منذ زمن، وحين صمتت، ابتسم "معاذ" برفق وقال: يا "ريم"، ما تمرِّين به أخبرتكِ عن اسمه في الطبِّ النفسي، وهو "متلازمة الظلِّ الانفصالية". حالةٌ نادرة من اضطراب الإدراك، تحدث عندما يتصادم العقل الواعي مع ذاته المكبوتة. ظلُّكِ ليس كائنًا آخر، بل هو أنتِ. الوجه الذي كتمتِه طويلًا حتى قرَّر أن يعلن وجوده بطريقته. صمتَتْ لحظة ثم همست: - أتقصد أن ما أمرُّ به نفسيٌّ وليس عضويًّا؟! أجابها بصوتٍ حانٍ: - نعم، هو كذلك، والظِّل هو أنتِ. ردَّت "ريم" بصوت هادئ: - والسرقات؟ - هي أنتِ أيضًا.. تمردٌ على حياتكِ.. أَشغلي وقتكِ بما تُحبين، لا بما فُرض عليكِ، وستجدين أن ظلَّكِ يعود إلى مكانه الطبيعي. رفعت نظرها إليه، فرأت في عينيه دفئًا لم تعهده من قبل. ابتسم بخجلٍ وأضاف: - ثم إني.. أخشى أنني بدأتُ أراكِ كما يرى الظلُّ صاحبَه.. لا يفارقه...

نَبضَاتُ قَلبٍ- أمل انور

 نَبضَاتُ قَلبٍ النهاية الأولى: قامت هدى بخطًى ثقيلة كالعادة، ممنيةً نفسها أنها ستحاول أن تسعد برؤية حسام، وأنه سيحكي لها أخبار "خافيير".. فتحت الباب ليُخبرها أن تستعد لاستقبال الهدية. طلب منها أن تُغمض عينيها، لتجد المفاجأة الكبرى عندما تفتحهما. كانت تتمنَّى مجئ "خافيير"، فإذا بحسام يحضر ومعه "خافيير" و"كارولين".. أطلقت شهقة عالية وأخذت تصرخ وتحتضنهما غير مصدقة، وتسأل عن سر هذا التجمُّع! أخبرها حسام أنه أخبر "خافيير" باستعداده للعودة إلى مصر، فطلب منه "خافيير" أن ينتظره كي يصحبه في هذه الزيارة؛ لأنه يتوق لزيارة السيدة هدى. وفي الوقت نفسه، كانت "كارولين" في المستشفى لإجراء بعض الفحوص الدورية، وعندما قابلت حسام مع "خافيير" وعلمت بخبر مجيئهما إلى القاهرة، سألته عن هدى، وأنها لا تجد معنًى للحياة بدونها. بكت هدى مقبلةً "كارولين" التي قالت لها: - أخبريني، كيف لكِ أن تحتويني هكذا؟! إذا عاندني الحظ كنتِ لي الحظ. كنتِ لي تميمة، وإذا تخلَّى عني البشر كنتِ لي بديلة، وإذا هاجمني المرض سعدت بكِ معينة. ...