حَارِسُ الكَنزِ الأَخِيرِ- شيماء جاد

 حَارِسُ الكَنزِ الأَخِيرِ

النهاية الأولى:

استجاب نوح. داخله رغبة رهيبة أن يكتب لحياته قصة، وأن يصبح وجوده ذا مغزى؛ فما فائدة الحياة إن كنا سنعيش ونموت دون أن نزرع شجرة ينتفع بظلها غيرنا!

تحرك خلف الفارس.. لمس الجدار الصلب بيديه العاريتين، فلم يجد ما يساعده على المرور مثلما فعل الفارس المضيء، إذًا هناك طريق مختلف يجب العبور منه. سار على مد الجدار مدققًا ومحدقًا بانتباه تام، ولما يئس أطرق برأسه وزفر، حينها رأى ما عجزت عيناه عن رؤيته عندما كان مستقيمًا، مال للأسفل فأزاح قطعة القرميد المهملة، وهناك وجد ذراعًا صغيرة، أدارها وقد تلبسته الحكمة قائلًا: نحتاج أحيانًا للنظر إلى موضع أقدامنا، فالطريق للأمام قد تصبح وعرة، والنظر على مدِّ أبصارنا لا يساعد طوال الوقت.

انزاح الجدار مظهرًا خلفه غرفة مبهرة، انحبست أنفاسه بينما يتطلع إلى تلك الحجرة التي تشبه مكتبة عريقة.. كتب ضخمة، مجلدات لها غلاف جلدي، والغريب أن الغرفة لم تفح منها رائحة الرطوبة، أو نثرت الأتربة نفسها عليها، إنما نالتها يد الزمان فقط، متمثلة في شكل الكتب، والخطوط العربية التي رُسمت على كل الجدران كأنها محراب صلاة.

انغلق الباب خلفه، لكنه تحرك مُطلقًا أنفاسه المحبوسة دون أن يعيره انتباهًا.. وجد طاولة أرضية خشبية على سطحها استكان مصباح عتيق، وجواره طنافس محشوة فاخرة. هذا مكتب أو مكان قراءة لشخص ما. جال بالغرفة يبحث عن معنًى لوجوده فيها، فبالتأكيد كانت الغرفة تناديه لسبب.

أمسك بعض الكتب ففتحها: كتب علوم، كتب طبية، وكتب في علم الفلك... هذه كتب دونت عليها تواريخ قديمة قدم الزمان، وفيها سطور أثبتت أن العرب كانوا دومًا في الطليعة. غمغم بحسرة: يا خسارة ماضينا في حاضرنا الآن.

وأثناء دورانه دون نظام أو هدف، رأى ما يبحث عنه قلبه؛ صندوق عاجي مزخرف بطريقة تأسر اللُّب وتخطف الأنفاس.. اقترب منه فوجد ثقبًا ينادي المفتاح الذي يحمله بين طيات جيوبه أن يقترب، دسَّ مفتاحه الذهبي الصغير داخل الثقب فانفتح، جلس متربعًا يمني نفسه بكنز عظيم كالذي أخبره به والده، لكنَّ الكنز تمثل في بضع لفافات مطوية، وخريطة قديمة، وكتاب آخر لا يشبه أيًّا من الكتب الموجودة خارج الصندوق، وكان عليه أن يفحص كل شيء على حدة.

فتح أول لفافة فوجد فيها "مرسومًا" يُخلد ذكرى اثني عشر فارسًا اتفقوا على حماية السلطان، وقَّعوا بأسمائهم وأرواحهم في نهاية الاتفاق. قرأ الأسماء بعناية، شعر بدموع ساخنة تسيل على وجنتيه حسرة على حكاية وفاء انتهت بالدماء.. هكذا هي الحياة قاسية على كل من له مبدأ.

طوى اللفافة الأولى وفتح التي تليها.. كل فارس منهم حكى قصة وذكر اسم متواطئ. بالتأكيد هذه اللفافات كانت خير معين للسلطان الناصر عند عودته إلى فترة ولايته الثالثة؛ فقد تخلَّص من كل مَن سوَّلت له نفسه بالتآمر ضده، وتخلَّص من كل من أضمر جهته شرًّا. عرف نوح سبب قوة السلطان وسعة معرفته، علم كيف له أن يُحكم قبضته على كل أعدائه؛ فخلفَ كل رجل قوي رجال مخلصون.

كانت اللفائف جميعها تحكي قصة وطن يتأهَّب لاستقبال سلطان ترك بصمته على أرضه، وخلَّف وراءه تاريخًا يُحكى لمن جاء بعده. اندمج نوح داخل اللفائف حتى أنهى قراءتها جميعًا.. شعر بقلبه ينتفض داخل ضلوعه، أيقن الآن سر شغف والده بالتاريخ، وعشقه لدارسة ماضٍ بقي أثره حتى الحاضر يحكي هيمنة وقوة. مسح دموعه المتسللة خلسة، ونظر إلى الكتاب.. الآن جاءت آخر محطة في رحلته داخل صندوق الذكريات..

حاول رفع الكتاب لكنه كان ثقيلًا للغاية.. حاول زحزحته، لكنه لم يستطع، مد يده يفتح غلافه لكنَّ ما انفتح كان شيئًا آخر.. رقعة مربعة من بلاط الغرفة جوار الصندوق، اقترب منها بحذر.. مد هاتفه يضيء أسفلها، وهناك التمع بريق خطف أنفاسه.. هنا الكنز السري الذي أخبره والده عنه، هنا سر الفارس الأخير الذي حمى السلطان بروحه حتى الموت...

ابتسم نوح بشدة.. تحولت الابتسامة إلى ضحكة ارتفعت حتى صارت قهقهة..

إذًا هو الحارس الجديد، حارس الكنز والتاريخ؛ فالباب خلفه أغلق، ولا مَخرج من هنا حتى الموت..

أو ربما هناك مخرج، لكنه لم يجده بعد.

***

النهاية الثانية:

إن كانت الشجاعة قرارًا فإن الخوف غريزة، وما حدث داخل القبة أخاف نوحًا وغلَّف مشاعره بالاضطراب؛ فكيف له أن يمر بكل هذا ثم يقرر بكامل إرادته أن يصبح حارسًا لكنز لا يعرف كُنهه، ولا يعرف ما الثمن الذي سيتكبده لقاء وظيفة مثل هذه؟!

راقب الفارس الذي اختفى خلف الجدار حتى أطبق الظلام مجددًا على محيطه. ظل ينظر إلى الجدار مطولًا يفكر في الخطوة التي يجب عليه أن يخطوها.. سأل نفسه متأففًا: لماذا عليَّ أن اختار بين مجهول وبين إكمال حياتي كالمعتاد؟!

لكن لقب الفارس الأخير كان يداعب عقله ويؤجِّج غروره.. أن تختاره الساعة لإكمال مهمة حماية كنز الفارس لَهُو فخر عظيم، لكن..

تنهد بحُرقة.. تذمر غاضبًا: ألا أستطيع أن أعيش حياتي كما كنت؟!

تحرك نحو الجدار الذي اختفى خلفه الفارس يُحركه فضوله.. لو كانت مهمة حماية الكنز لا تتطلب منه تضحية فلا بأس بالقبول بها، بل وربما استطاع إحراز بعض النجاح من خلفها..

فحص الجدار بهدوء لكنه لم يجد ما يؤكد له وجود مدخل سري؛ فالجدار مصمت لا يحمل أي علامة قد تساعده على فتح الجدار أو تحريكه، وعلى حين غرة سمع أصواتًا تبدو أنها من الخارج.. رفع رأسه ينظر إلى سقف المكان، التقطت عيناه بصيص ضوء يتسلل عبر شق صغير في المكان.. تحرك حتى وقف أسفله، كان السقف القريب يدعوه لاكتشاف موضع الشِّق، تحرك في الأرجاء باحثًا عن شيء يقف عليه، استقر في أحد الأركان صندوقٌ خشبي مُطعَّم بالنقوش.. سأل نفسه مندهشًا: كيف لم أره قبلًا؟!

حرك غطاء الصندوق لفتحه فوجده مغلقًا بإحكام، دفعه فاندفع بسهولة تحت يديه، فكر أن الصندوق ربما كان فارغًا؛ لذا سَهُلت حركته، وضعه أسفل شِق السقف ثم وقف فوقه، دفع الشِّق في السقف لأعلى فانفتحت كوة صغيرة، تسلقها خارجًا ليجد نفسه في طابق القبة العلوي. كان هذا هو القبر الحقيقي للسلطانة الخوند آشلون، والطابق السفلي السري ربما لا يعرف بشأنه أحد.

تحرك بعد أن أغلق الكوة خلفه.. المكان مفعم بضياء متسلل من فتحات السقف. أزاح كثيرًا من اضطرابه، أيقن أن شخصه لا يحب إلا نور المعرفة، وأن الأسرار مهما كان نوعها أو بدت غير مؤذية، فإنها تغمر صاحبها في ظلام الخوف والقلق من انكشافها يومًا.

نظر إلى الكوة مفكرًا، عاد نحوها وقرر أن يعود إلى الأسفل، لكن ما حدث صدمه..

كانت الكوة مغلقة وكأنها لم تكن، ولا يبدو أنها فتحت يومًا أو على استعداد للفتح...

تملَّك قلبه اليأس.. تأكد أنه أضاع فرصته حين اختار الصعود إلى الأعلى دون أن يحاول كشف كنز فارس الضوء؛ فالفرص لا تأتي مرتين..

الآن فَهم معنى جملة الحارس (مَن لم يقتنص نجمة لنفسه حين تحين الفرصة، لا يستحقُّ فرصًا أخرى).

علم أن الحارس على حق، وأنه أضاع فرصة أن يصبح الحارس... حارس الكنز الأخير.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صدى القسوة -جيهان سرور

ريوكيو - أماني الصغير