ريوكيو - أماني الصغير
ريوكيو
النهاية الأولى:
أضواءٌ قوية وأصواتٌ حادَّة تتردَّد من كل مكان..
جسمه يتحرك، رغم أنه لا يشعر بتحرك أطرافه على الإطلاق..
"هيا يا رجل.. أفِقْ".
تربيتةٌ قوية على وجهه جعلته يفتح عينيه بغتة، ويميز العبارة الإنجليزية..
طالَعه وجهٌ مألوف يتنهَّد بارتياح، وحوله وجوه أخرى لا يعرفها، يخرج من أفواهها سيلٌ من اليابانية لا يفهم منه شيئًا..
انتبه "أكرم" إلى قناع الأكسجين الذي يغطي وجهه، وفِراش الإسعاف النقال الذي يدفعه بعضهم داخل سيارة إسعافٍ مجهزة..
عاد بصره إلى الوجه المألوف ليُميز بصعوبة كونه "إيهورو" المرشد، الذي قال وهو يتنفس الصُّعداء:
"ظننا أننا فقدناك يا رجل"!
داهمه بغتة صداع عنيف وألمٌ حادٌّ في أذنيه، دفعه ليرفع يده ليتحسس اليمنى منهما، فتكتشف أصابعه خيطًا من الدماء الجافة..
أزاح المسعفون "إيهورو"، فحاول "أكرم" النطق ليخرج صوته بعسرٍ وتحشرُج، يسأله قبل أن يبتعد:
- ماذا حدث؟!
تنهد "إيهورو" وقال محاولًا الاختصار:
- عطلٌ مفاجئ في نُظم النفق تَسبب في خللٍ مؤقت لأجهزة ضبط الضغط والحرارة وتعطُل الأضواء، لكن لحُسن الحظ تمت السيطرة عليه سريعًا.
بدا "أكرم" مشوشًا غير مستوعب لما يسمعه، خاصةً مع كل هذه الضوضاء اليابانية من حوله.. في حين عاد "إيهورو" يقول وهو يغادر سيارة الإسعاف:
- أتعلم؟ لستُ محقًّا، ولا حسن حظٍ هنالك.. فأن تختار طبقات الأرض في أعماق المحيط توقيت وجودنا في قلبه لتتعارك، يعني أن حظنا سيئٌ جدًّا!
بعد عدة ساعات، وبينما يجلس على فراشٍ صغير في إحدى غرف مستشفى "إيكيچيما" المركزي، حيث تم احتجازه لتلقي العلاج والبقاء تحت الملاحظة، أخذ "أكرم" يتابع الأخبار على هاتفه النقال..
"لقد كان زلزالًا"!
زلزالًا بقوة 5.7 درجة على مقياس ريختر، على عمقٍ يقارب العشرة آلاف متر تحت سطح البحر، بؤرته "خندق ريوكيو"، أحد أعمق الخنادق المحيطية في العالم، والذي يقع قريبًا من الحافة البحرية الشرقية لأرخبيل "ريوكيو" عمومًا، وعلى بعد مائتي كيلومتر فقط من جزيرة "إيكيچيما".
إذًا، فقد كان هذا سبب فرار كائنات الأعماق السحيقة إلى الطبقات السطحية من المحيط! وغالبًا الهزة الأرضية القوية التي عصفت بالجزيرة هي السبب في تعطل نُظم النفق في هذه اللحظة الحرجة.
أطلق ضحكةً هادئة.. ربما يكون "إيهورو" محقًّا في اعتقاد سوء الحظ.. وبالتأكيد يعتبره أكثرهم سوء حظ، فهو الوحيد الذي فقد وعيه مع خلل الضغط داخل الغرفة البانورامية، وأكثر من تأذَّى منهم بسبب مرضٍ مزمن تعانيه أذنه الوسطى.. لكنه يدرك الآن كم هو سعيد الحظ!
تراجع إلى الوراء يسترخي في رقدته شبه الجالسة.. لقد مرت هذه الرحلة بسلامٍ رغم كل شيء، ورأى كائناتٍ لم يكن يحلم برؤيتها.
ما رآه لحظة حدوث الزلزال كان بالتأكيد هلوسةً بصرية.. أما ما تلى تعطُّل الأضواء داخل النفق.. فلربما كان كابوسًا.
***
ملحوظة.. زلزال "خندق ريوكيو" حدثٌ حقيقي سجلته هيئة الأرصاد اليابانية يوم الثامن من مارس 2025.
***
النهاية الثانية:
عادت الأضواء فجأة.. وللحظةٍ، غَشيت الأبصار جميعها..
لم يعلم أحدٌ أهذا تفاقمٌ للأزمة العصيبة التي تعصف بهم، أم فرجٌ قريب؟!
كسر "إيهورو" تجمده أولًا، وهتف بلهفة مكررًا عبارته السابقة:
"تحركوا إلى المنصة فورًا".
جسَّدت لهم عبارته الأمل خالصًا، فتهللت الوجوه المرتعبة واندفعت نحو المنصة.
انتبه "إيهورو" حينها إلى "أكرم" الذي بدا ذاهلًا شاخص البصر، وقد سقط على ركبتيه أرضًا، فهتف به:
"هيا يا رجل".
لم يبدُ على "أكرم" أنه سمعه، ولم يحرك ساكنًا، على نحوٍ وشى بعطبٍ في وعيه، فاندفع يجذبه من ذراعه يساعده على النهوض، وعاونه في ذلك "كامدن" حتى أوقفوه على قدميه وتحركوا به إلى المنصة، لتبدأ على الفور بالتحرك صعودًا.
لم يكن "أكرم" فعلًا على ما يرام.. لم يفهم ماذا حدث وماذا يحدث، وكأنما غشيت عقله غشاوة عطَّلت استيعابه وشوَّشت على تفكيره.
مضت ساعتان حتى بدأ يعي ما حوله. كان المركز السياحي قد تحوَّل إلى خلية نحلٍ تعجُّ بالبشر.. أناس كُثر ذوو هيئةٍ مهيبة يذهبون وآخرون يأتون، ولجنةٌ خاصة من الخبراء حضرت لفحص النفق وتحديد مدى تضرره..
بلغه نبأ الزلزال..
زلزالٌ بقوة 5.7 درجة على مقياس ريختر على عمقٍ يقارب العشرة آلاف متر تحت سطح البحر، بؤرته "خندق ريوكيو"، أحد أعمق الخنادق المحيطية في العالم! والذي يقع قريبًا من الحافة البحرية الشرقية لأرخبيل "ريوكيو" عمومًا، وعلى بعد مائتي كيلومتر فقط من جزيرة "إيكيچيما".
إذًا، فقد كان هذا سبب فرار كائنات الأعماق السحيقة إلى الطبقات السطحية من المحيط! وغالبًا الهزة الأرضية القوية التي عصفت بالجزيرة هي السبب في تعطل نُظم النفق في هذه اللحظة الحرجة.
مرَّت بعقله ومضاتٌ خاطفة مشوَّشة..
لماذا يُصر عقله على أن أشياء أخرى حدثت؟!
لجنة الخبراء الخاصة بفحص النفق أكدت سلامة بنيته واقتصار التضرر على الجزء التقني المتحكم في ضبط بيئته الداخلية..
لكن...
تلاحَق نبضه بقوة وتلاحَقت معه أنفاسه، وذاكرته تستدعي صورةً ما..
هزَّ رأسه بقوة وكأنما ينفض عنه مجرد الاحتمال..
"غير ممكن.. بل مستحيلٌ تمامًا".
رأى "إيهورو" يقترب ويجلس بجواره قائلًا بود:
- كيف حالك الآن؟ أصرت بخير؟
أومأ "أكرم" برأسه محاولًا الابتسام، فتنهد "إيهورو" وقال:
- لقد كان وقتًا عصيبًا.. فوْجُكم السياحي هو الأتعس حظًّا على الإطلاق.
وافقه "أكرم" الرأي تمامًا.. وقبل أن يعبر عن ذلك بعبارةٍ ما، أخرج "إيهورو" شيئًا ما من جيبه وناوله إياه قائلًا:
- هاك هاتفك المحمول.. لقد أسقطتَه هناك.. في الغرفة البانورامية.
التقط "أكرم" الهاتف متمتمًا بعبارة شكر، فعاد "إيهورو" يقول:
- جميع كاميرات النفق أصيبت بعطب فلم تحفظ تسجيلات الرحلة، وهو ما أراه خسارةً كبيرة، خاصةً مع الظهور النادر لكائنات الأعماق السحيقة.
ثم أضاف بفضول:
- أتساءل إن كانت كاميرا هاتفك قد التقطت بعض الصور قبل انقطاع الأضواء!
تذكَّر "أكرم" تسجيله للرحلة كلها منذ بدايتها، فأسرع يفتح هاتفه ويعيد تشغيل المقاطع التي التقطها لكل ما رآه، خاصةً اللحظات الأخيرة.
بعينين متسعتين وقلبٍ رفرفت خفقاتُه باضطراب، تابع التسجيل المرئي دون أن ينتبه إلى أن "إيهورو" قد مدَّ بصره يشاركه الرؤية بفضول..
لم ينتبه أيضًا إلى تسمُّره واتساع عينيه الذاهل، كما لم ينتبه لقوله: "يا إلهي.. ما هذا؟!".
كان "أكرم" كأنما انفصل عن كل ما حوله..
الآن يتذكر كل شيء.. انزاحت غشاوة عقله بغتة، وعاد بكيانه كله إلى ذات اللحظات على حقيقتها.
لقد رآه بالفعل.. ذاك المخلوق المخيف، وثعبانه الرهيب الذي أحاط بالنفق، لتخرج منه مادة بيضاء انتشرت بسرعة البرق كما الشقوق، لتكوِّن شبكة ثبتته حيث كان.. حينها دوَّت قرقعة عظيمة، لكنها لم تكن قرقعة انهيار جدار النفق كما افترض عقله، وإنما قرقعة صحبت انتقالًا آنيًّا عبر المكان!
من خارج النفق إلى داخله، وفي غمضة عين، صار ذلك المخلوق أمامه!
بإدراكٍ مشلول تجمَّد أمامه، شاعرًا بشيءٍ ما يخترقه.. وفي اللحظة التالية وبقرقعةٍ أخرى، عاد المخلوق إلى المحيط ليختفي وثعبانه في لمح البصر.
خفض "أكرم" الهاتف وقد صارت ملامحه أهدأ.. شعر بالقوة في أعماقه وأدرك وضعه جيدًا..
لقد تلقَّى الرسالة وكُلف بالمهمة وانتهى الأمر. لم يتبقَّ سوى...
رآه "إيهورو" يلتفت إليه ببطء، تلمع عيناه السوداوان بالفضي تمامًا كما يعرف عن سمكة قرش الشبح!
سرت في جسمه رجفة قوية وجمَّده الذعر، و"أكرم" يقول بهدوءٍ شديد وابتسامةٍ مُقلقة:
- أتعلم؟ أنت المرشد السياحي الأتعس حظًّا على الإطلاق!
لم يفهم "إيهورو" ماذا يعني..
لم يستوعب بعد ما رآه، ولم يدرِ ما الذي أصاب هذا الرجل!
لكنه شعر بالخطر. أطلق عقله إنذارًا فقرر الانسحاب فورًا..
لم يمهله "أكرم" للأسف، إذ انقضت قبضته على حنجرته بقوةٍ غير طبيعية، وهو يقول بذات الهدوء:
"لا ضغائن شخصية"..
تأمَّل ببرود جحوظ عينيه، واختناق أنفاسه، وتشنج جسده وتابع:
"ليس البشر هم الوحيدين الذين يهتمون بدراسة الكائنات الأخرى ويدسُّون أنوفهم في عوالمهم.. هناك آخرون أقوى يسعون للسيطرة، تنفتح بواباتهم مع الزلازل في أعماق المحيطات.. ولحين حدوث الزلزال التالي، سأكون أنا عينهم بينكم".
بضغطةٍ أخيرة أجهز على "إيهورو"، ثم عدَّل من وضعه على مقعده ليبدو وكأنما نام جالسًا في ذلك المكان القصي الهادئ من المركز السياحي.
الآن، لم يعد هناك شهود. يمكنه القيام بمهمته بلا مُنغصات.
عدَّل من هندامه بهدوء، ثم غادر المركز السياحي ليذوب بين الناس ويختفي..
تمامًا كما الشبح.
تعليقات
إرسال تعليق