مَدينةُ الضَّبابِ- هبة كامل
مَدينةُ الضَّبابِ
النهاية الأولى:
أفاق نور على بياض كثيف لا زمنَ فيه ولا مكان. بحث بعينيه عن مرسمه.. عن لوحاته.. عن أمل، فلم يجد سوى ظِله يرسم على جِدار رمادي لوحة؛ مدينة يغشاها الضَّباب.
اقترب أكثر، فرأى أن اليد التي ترسم ليست يده، وأن اللوحة التي أمامه لم تكتمل بعد...
في تلك اللحظة، أدرك أن المدينة ليست في مكان خارج نفسه، بل في داخله.
لقد دخل عقله ذاته.. عالَم الذاكرة حين يختلط بالحلم.
ابتسم في هدوء، كمن فهم أخيرًا سر اللوحة.. ثم تلاشى صوتُه في الضَّباب.
***
النهاية الثانية:
لم يعد نور يقاوم. ترك الفرشاة تسقط من يده، فارتطمت بالأرض وأطلقت دويًّا يُشبه دقة قلب واحدة.
الضَّباب بدأ يتحرك كأنه يتنفَّس، ودوائر من الضوء خرجت من اللوحة تدور حوله ببطء!
سمع صوت أمل، ناعمًا كنسيم قديم، يقول: "لا ترسم لتتذكَّر يا نور.. ارسم لتخلق من جديد".
رفع رأسه نحو السماء الرَّمادية، فوجد الألوان تتناثر مِن حوله كأسراب طيور، كل لون منها حمل ذكرى من حياته، ثم طار مبتعدًا حتى اختفى في الضَّباب.
ابتسم وهو يشعر بالخِفة، كأن الحِمل عن كتفيه زال.
لم يَخفِ النسيان؛ صار جزءًا من الألوان نفسها.. من الضوء والضَّباب.. من المدينة التى حلم بها منذ طفولته.
وحين مرَّ على المرسم الحقيقي، كانت اللوحة قد اكتملت وحدها: مدينةٌ يغشاها الضَّباب، وفي وسطها ظِل رجل يبتسم بين الألوان.
تعليقات
إرسال تعليق