انعكاس- رانيا بيومي

 انْعِكاسٌ

النهاية الأولى:

تظلُّ جالسة أمام مكتبها. الانعكاس في الشاشة يُراقبها في صمتٍ طويل.

تفتح الدرج، تُخرج المرآة الصغيرة وتنظر فيها. الوجه المُقابل لا يقول شيئًا هذه المرَّة،

عيناه فقط تُراقبانها بسلامٍ غريب، كأنهما تَصالَحا مع ما هو كائن.

تبتسم بخفةٍ لا تعرف مصدرها؛ ابتسامة متعبة، لكنها صادقة.

تُعيد المرآة إلى مكانها.. تغلق الدرج بهدوء، ثم تُمسك بفنجان القهوة البارد وتشرب آخر رشفةٍ، كأنها تُودِّع يومًا آخر لا أكثر.

تتلفَّت حولها. المكتب كما هو، الأوراق كما هي، الضوء كما اعتادت رؤيته كل صباح.

كل شيء في مكانه، لكن شيئًا صغيرًا تغيَّر بداخلها.

لم تعد تُقاوم، ولم تعد تهرب، فقط.. توقَّفت عن الحرب.

تفتح الحاسوب من جديد، تكتب رسالة قصيرة:

“تمت المراجعة، وسأتابع غدًا”.

تضغط "إرسال"، ثم تسند ظهرها إلى الكرسيِّ.. تُغمض عينيها للحظة، تتنفس بعمقٍ وكأنها تتذوق طعم الصمت لأول مرة.

وفي الزجاج أمامها، يظهر وجهها هادئًا، مطمئنًّا، لا يبتسم ولا يعبس.. وجه امرأةٍ لم تعد تخاف من انعكاس المرآة.

***

النهاية الثانية:

تظلُّ جالسة أمام مكتبها، الانعكاس في الشاشة يراقبها كالعادة، لكن هذه المرَّة لا يبتسم ولا يسخر، فقط ينتظر.

يسود الصمت.. صمتٌ من نوع مختلف عن المعتاد، تلمس سطح الشاشة بأطراف أصابعها كما لو كانت تودِّع حبيبًا..

ثم تهمس بخفوتٍ وصدق: "كفى".

تنهض ببطء.. تنزع بطاقة العمل المُعلقة في رقبتها، تضعها فوق المكتب بترتيبٍ هادئ، كمن يُغلق فصلًا لا يكرهه لكنه تَجاوزه.

تسير نحو الباب، تمرُّ أمام الزجاج الكبير، ترى انعكاسها للمرَّة الأخيرة. المرأة المنهكة التي كانت تخشى النظر إليها بالأمس، تنظر إليها الآن بابتسامةٍ مُطمئنة.. ابتسامة تشبه الاعتذار والمسامحة في آنٍ واحد.

تفتح الباب، فيندفع هواء الصباح إلى الداخل، ويصطدم الضَّوء بسطح زجاج الباب فيتلاشى الانعكاس تمامًا.

تمضي إلى الخارج.. الهواء يصفع وجهها ببرودٍ ناعم، فتغلق عينيها للحظة، وتشعر أن شيئًا خفيفًا انسحب منها، كأن القيد الوهمي الذي لم تره يومًا قد انكسر أخيرًا.

تتنفَّس بعمق، وفي الزجاج خلفها لم يبقَ شيء، لا وجهٌ قديم، ولا ظِل..

فقط الضوء.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صدى القسوة -جيهان سرور

ريوكيو - أماني الصغير

حَارِسُ الكَنزِ الأَخِيرِ- شيماء جاد