ظِلٌّ لا يَعرِفُ المُستَحيلَ- سارة الجندي

 ظِلٌّ لا يَعرِفُ المُستَحيلَ

النهاية الأولى:

في تلك الليلة، جلست في عيادة الطبيب "معاذ"، الذي أصبح ملجأها قبل أن يكون طبيبها.

حكت له كل شيء منذ طفولتها بالتفصيل. تكلَّمت طويلاً..

كلماتها كانت تتساقط كالمطر على وجهٍ جافٍّ منذ زمن، وحين صمتت، ابتسم "معاذ" برفق وقال: يا "ريم"، ما تمرِّين به أخبرتكِ عن اسمه في الطبِّ النفسي، وهو "متلازمة الظلِّ الانفصالية". حالةٌ نادرة من اضطراب الإدراك، تحدث عندما يتصادم العقل الواعي مع ذاته المكبوتة.

ظلُّكِ ليس كائنًا آخر، بل هو أنتِ.

الوجه الذي كتمتِه طويلًا حتى قرَّر أن يعلن وجوده بطريقته.

صمتَتْ لحظة ثم همست:

- أتقصد أن ما أمرُّ به نفسيٌّ وليس عضويًّا؟!

أجابها بصوتٍ حانٍ:

- نعم، هو كذلك، والظِّل هو أنتِ.

ردَّت "ريم" بصوت هادئ:

- والسرقات؟

- هي أنتِ أيضًا.. تمردٌ على حياتكِ..

أَشغلي وقتكِ بما تُحبين، لا بما فُرض عليكِ، وستجدين أن ظلَّكِ يعود إلى مكانه الطبيعي.

رفعت نظرها إليه، فرأت في عينيه دفئًا لم تعهده من قبل.

ابتسم بخجلٍ وأضاف:

- ثم إني.. أخشى أنني بدأتُ أراكِ كما يرى الظلُّ صاحبَه.. لا يفارقه أبدًا، وأشعر من كل قلبي أن تلك هي رغبتي وأُمنيتي في الحياة.

ضحكت "ريم" ضحكةً خفيفة كسرت صمت الغرفة، وقالت:

- يكفيني أني بدأتُ أرى نفسي، لا ظِلي.

حين خرجت من العيادة، كانت السماء ملبَّدةً بالغيوم، وأوراق الشجر تتطاير من حولها.. الهواء رطبٌ وهادئ.

خَطَتْ ببطء نحو الطريق، وشعرت بخفَّةٍ لم تعرفها من قبل.

وحين نظرت إلى الأرض، رأت ظلَّها يسير بجانبها، لا خلفها ولا أمامها.

مجرد ظلٍّ، في مكانه الصحيح.

ابتسمت وقرَّرت أن تحيا بما تُحب وترغب. جلست في المقهى المُقابل للشركة، ومدَّت يدها نحو كوب القهوة دون أن تتردَّد.. وصَاحَبَها ظِلها.

القهوة التي تعشق رائحتها..

هذه المرَّة لم تنتظر الإذن من أحد، كأنها تكتب وتُوقِّع أخيرًا على الصفحة التي لم تكتبها أمها.

كانت تلك اللحظة إعلانًا صامتًا أن الظلَّ لم يكن يومًا عدوَّها،

بل كان دليلها نحو النُّور.

***

النهاية الثانية

في تلك الليلة، جلست في عيادة الطبيب "معاذ"، الذي أصبح ملجأها قبل أن يكون طبيبها.

حكت له كل شيء منذ طفولتها بالتفصيل. تكلَّمت طويلاً..

كلماتها كانت تتساقط كالمطر على وجهٍ جافٍّ منذ زمن، وحين صمتت، ابتسم "معاذ" برفق وقال: يا ريم، ما تمرِّين به أخبرتكِ عن اسمه في الطبِّ النفسي، وهو "مُتلازمة الظلِّ الانفصالية".

حالةٌ نادرة من اضطراب الإدراك، تحدُث عندما يتصادم العقل الواعي مع ذاته المكبوتة.

ظلُّك ليس كائنًا آخر، بل هو أنتِ.

الوجه الذي كتمتِه طويلًا حتى قرَّر أن يعلن وجوده بطريقته.

صمَتت لحظة، ثم همست:

- أتقصد أن ما أمرُّ به نفسيٌّ وليس عضويًّا؟!

أجابها بصوتٍ حانٍ:

- نعم، هو كذلك، والظِّل هو أنتِ.

ردَّت "ريم" بصوت هادئ:

- والسرقات؟

- هي أنتِ أيضًا.. تمردٌ على حياتكِ.

أشغلي وقتكِ بما تُحبين، لا بما فُرض عليكِ، وستجدين أن ظلَّكِ يعود إلى مكانه الطبيعي.

رفعت نظرها إليه، فرأت في عينيه دفئًا لم تعهده من قبل.

ابتسم بخجلٍ وأضاف:

- ثم إني.. أخشى أنني بدأتُ أراكِ كما يرى الظلُّ صاحبَه.. لا يفارقه أبدًا، وأشعر من كل قلبي أن تلك هي رغبتي وأُمنيتي في الحياة.

ضحكت "ريم" بخفةٍ مُرتجفة، لكنها غادرت العيادة. لم تشعر بالطمأنينة التي توقَّعتها..

كانت الكلمات الجميلة تتردَّد في ذهنها: "أشغلي نفسكِ بما تُحبين"، لكنها لم تعُد تعرف ما تحب!

توقَّفت أمام النافذة في بيتها.. نظرت إلى السماء، فرأت ظلَّها في الزُّجاج يحدِّق فيها بلا انفعال.

همست له بصوتٍ مبحوح: "لم أعد أتحمَّل".

في تلك الليلة كتبت رسالة قصيرة إلى "معاذ":

"كنتَ الوحيدَ الذي شعرتُ معه بحُريتي، أنا أيضًا كنت أتمنَّى ألَّا نفترق".

وضعت الهاتف جانبًا، ثم نظرت إلى الحبل المعلَّق في السقف.

كانت الغرفة ساكنة، والوقت باردًا.. هدوء قاتل.

اعتلت الكرسي بخطواتٍ هادئة.. وضعت الحبل حول عُنقها، وهمست كأنها تخاطب ظلَّها: "آن الأوان أن أتحرَّر من الأوامر، وأتحرَّر من قيود أمي، وأتحرَّر منك أيضًا".

ركلت الكرسي بقدمها، وأغمضت عينيها، وبدأت تصارع الموت.

انفتح الباب بعنف، واندفع "معاذ" إلى الداخل وخلفه "سمية". صُراخه مزَّق الصمت: "ريييييم".

ركض نحوها.. أمسك بجسدها المتدلِّي.. قطع الحبل بارتباك،

وأسندها إلى الأرض، وأخذ يضغط على صدرها بأنفاسٍ مُتقطعة.

كان يُجري الإنعاش القلبيَّ كأنه يُعيد الحياة إلى نفسه هو، و"سمية" تبكي: لن أعنفكِ مرة أخرى، آسفة يا ابنتي، لا تتركيني.

حتى شهقت "ريم" فجأة.. تنهَّدت بعُمق، وبكت دون صوت.

حمدت "سمية" ربَّها، ثم سجدت شكرًا لله.

رَفعت "ريم" عينيها نحو "معاذ"، وسالت منهما دمعةٌ ببطء، وقالت:

- ماذا حدث؟! أين هو؟!

أجابها وهو يضمُّها إلى صدره:

- من الواضح أنه اختفى.

نظرت إلى الجدار المقابل؛ لا ظِلَّ هناك..

فقط هي..

أغمضت عينيها.. ابتسمت، وقالت في همسٍ: "أخيرًا تحررتُ".

كان الفجر يتسلَّل من النافذة، تنهَّدت "ريم" ثم قالت: ربما لم أُولد حين جئتُ إلى الدنيا، بل حين اختفى ظِلي.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صدى القسوة -جيهان سرور

ريوكيو - أماني الصغير

حَارِسُ الكَنزِ الأَخِيرِ- شيماء جاد