السَّجانَة- هند عفيفي
السَّجانَة
النهاية الأولى:
بعد جمع التحريات لمدة أسبوع وإنهاء التحقيقات، تيقَّن المقدم حامد من أن دافع الجريمة كان بغرض الانتقام، وبدأ في مراجعة أقوال الجميع، واستوقفته أقوال الابن الناجي الوحيد من تلك الأسرة، وكيف اكتشف الواقعة، وأنه بسؤاله عن عدم وجود مفتاح معه للمنزل أجاب بأنه في ذلك اليوم نسي مفتاحه في الغرفة ولم يأخذه معه، وإصراره طيلة التحقيقات على أن الجريمة ما هي إلا انتقام من أحد خصوم والده..
بدأ الشكُّ يتسلل إليه، وقرَّر إجراء معاينة لمسرح الجريمة مرة أخرى.
في اليوم التالي، توجَّه المقدم حامد إلى العمارة المقابلة لمنزل المجني عليهم؛ للتأكُّد من رواية الابن، وأثناء معاينته ومحاولة رؤية رُدهة المنزل من خلال سطح العمارة، تبيَّن أنه لا يمكنه أن يرى الجُثث الملقاة على الأرض من موقعه، فتأكَّد أن حلَّ لغز هذه الجريمة في هذا الابن.
توجَّه المقدم حامد إلى مكتبه مرة أخرى، وطلب استجواب الابن، وبدأ بتوجيه تُهمة قتل أسرته بالكامل إليه، ومواجهته بأنه لا يمكنه أن يرى الجثث من سطح العمارة المقابلة كما قال..
أنكر الابن كل الاتهامات، واستمرَّ على ذلك نحو ثلاث ساعات متواصلة مع بكاء هيستيري وشِبه انهيار، فقرَّر المُقدم حامد أخذه في جولة ليهدأ، وبالفعل انطلق به ومعه اثنان من رجال الشرطة، أحدهما أمين شرطة والآخر مُخبر.
طيلة الطريق أقنعه المقدم أنه يُصدِّقه، وما هذه الخروجة إلا لتهدئته والتفريج عنه.
أوقف سيارته أمام كورنيش النيل، واتَّجهوا إلى مركب، وبسرعه كانوا داخلها، وانطلقوا في وسط المياه.. وفجأة انقضَّ عليه المخبر وأمين الشرطة وقاما بتكبيل يديه، وتغيَّرت لهجة المقدم حامد وأصبحت أكثر صرامة وأشد رعبًا:
أنتَ من قُمت بقتل أسرتك، وإن لم تعترف بكل شيء فسوف نقوم بإلقائك في المياه ولن يشعر بك أحد.
وبالفعل اعترف أخيرًا بارتكابه للجريمة، وأنه ليس بنادم على ذلك؛ فهم يستحقُّون ما فعله بهم، وأنه انتقم منهم بسبب سوء معاملتهم له، وقسوة والدته عليه، واتهامها له دائمًا بأنه شاذٌّ ومريض نفسيًّا، وتهديد والده له بإرساله لمصحة نفسية، أو الإبلاغ عنه.. وكم من المرات التي طرده فيها خارج المنزل.
أما إخوته فكانوا يهزءون منه، ويصفونه بالفاشل الذي يُلوث سُمعتهم..
كان يتكلم وكله غلٌّ وحِقد، ويصف ما فعله بهم بدم بارد.
***
النهاية الثانية:
تم تفريغ الكاميرا الوحيدة التي توجد في حارة المجني عليها، وهي خاصة بمحل بقالة، والتي أمر المُقدم حامد بتفريغها لعلَّها تكون رصدت أيَّ حركة غريبة في توقيت الجريمة.
أثناء مشاهدته للتسجيلات، لفت انتباهه شخص يدخل الحارة، سريع الخُطى، مرتديًا قُبعة رياضية تُخفي نصف وجهه العُلوي، ثم غاب عن الكاميرا.
وبسؤال أهالي الحارة عنه لمعرفة هويته لم يتعرَّف عليه أحد. وبعد التحرِّيات والبحث في ملفَّات المسجَّلين وأصحاب السوابق، تم تحديد ثلاثة أشخاص من الممكن أن يكون هذا الرَّجل أحدهم، فأمر المُقدم حامد بجمع التحرِّيات عن كل منهم..
وبدراسة كل التحرِّيات أصبحت الشكوك تحوم حول شخص بعينه، صدرت ضده أحكامٌ سابقة بتعاطي وبيع المواد المخدِّرة. وبالتحقيق معه أنكر معرفته بالضحايا والجريمة، وأنه لا تربطه بهم أية صلة أو معرفة حتى تكون بينهم أية عداوة تستدعي أن يقوم بمثل هذه الجريمة.
ولكن بتفتيش محل إقامته، عَثرت المباحث على نفس الملابس التي كان يرتديها أثناء دخوله للحيِّ في تسجيلات الكاميرا، وكذلك القُبعة الرياضية. وبمواجهته والضغط عليه أقرَّ بجريمته، وبأنه مأجور من شخصية تريد التخلُّص من السجَّانة محاسن.. وبدأ يروي ما حدث.
في ذلك اليوم توجَّه إلى منزلها وقت الفجر قبل أن تخرج لعملها، ودقَّ جرس المنزل ففتحت له الباب، وكانت ترتدي إسدال الصلاة، فباغتَها بوضع يده على فمها ودفعها للداخل، ومن ثَمَّ قام بطعنها عدة طعنات وهي تحاول مقاومته والاستغاثة بزوجها، ثم شَعر بحركةٍ من خَلفه فتركها تسقط أرضًا، واستدار ليجد زوجها مصدومًا، فاستغلَّ صدمته وباغته بطعنة تلو أخرى.. وقال إنه لم يكن ينوي قتله هو وأولاده، ولكنه اضطرَّ لفعل ذلك بسبب رؤيتهم له.
تعليقات
إرسال تعليق