نَبضَاتُ قَلبٍ- أمل انور
نَبضَاتُ قَلبٍ
النهاية الأولى:
قامت هدى بخطًى ثقيلة كالعادة، ممنيةً نفسها أنها ستحاول أن تسعد برؤية حسام، وأنه سيحكي لها أخبار "خافيير"..
فتحت الباب ليُخبرها أن تستعد لاستقبال الهدية. طلب منها أن تُغمض عينيها، لتجد المفاجأة الكبرى عندما تفتحهما.
كانت تتمنَّى مجئ "خافيير"، فإذا بحسام يحضر ومعه "خافيير" و"كارولين".. أطلقت شهقة عالية وأخذت تصرخ وتحتضنهما غير مصدقة، وتسأل عن سر هذا التجمُّع!
أخبرها حسام أنه أخبر "خافيير" باستعداده للعودة إلى مصر، فطلب منه "خافيير" أن ينتظره كي يصحبه في هذه الزيارة؛ لأنه يتوق لزيارة السيدة هدى.
وفي الوقت نفسه، كانت "كارولين" في المستشفى لإجراء بعض الفحوص الدورية، وعندما قابلت حسام مع "خافيير" وعلمت بخبر مجيئهما إلى القاهرة، سألته عن هدى، وأنها لا تجد معنًى للحياة بدونها.
بكت هدى مقبلةً "كارولين" التي قالت لها:
- أخبريني، كيف لكِ أن تحتويني هكذا؟! إذا عاندني الحظ كنتِ لي الحظ. كنتِ لي تميمة، وإذا تخلَّى عني البشر كنتِ لي بديلة، وإذا هاجمني المرض سعدت بكِ معينة.
أومأت هدى برأسها والدموع تنسال على خدودها. ابتسمت لأول مرة منذ مدة طويلة.. مدَّت يديها ووضعتها على صدر كارولين؛ فها هو قلبُها يُحدثها أن دقات قلب "کارولین" هي نبضات قلب زیاد، وقالت لها:
- لقد وجدتُ ابني الذي فقدتُه. بحثتُ عن قلبه في يقظتي ومنامي. تأكدت الآن أنه ينبض داخل صدركِ.
فأجابتها كارولين:
- كم أحبكِ وأشعر بحنانكِ يغمرني! أعترف لكِ أني أشعر بشيء مجهول يجذبني إليكِ، وكلما أغمضت عيني لاحقتني صورتكِ، وأسرتني عيناكِ الحزينة. لقد أحببتكِ حتى لو لم يكن ذلك القلب لدي. أحبكِ من كل ذرة فيه.
بعد هذه الأحاديث الدافئة بينها وبين "كارولين"، أخذت هدى تبحث عن "خافيير"، لتجده في غرفة زیاد، وقال لهم إنه سيبيت في هذه الغرفة؛ لأنه وجد راحة غريبة فيها.
طلبت هدى من حسام أن يبقى معهم حتى يساعدها في التواصل مع ضيوفها.
وبعد تناول العشاء، باتت "كارولين" مع هدى في غرفتها، وبات "خافيير" مع حسام في غرفة زياد.
استيقظت هدى مرتاحة بعض الشيء.. سعيدة بوجود ضيوفها. وجدت باب الشقة مفتوحًا، وقد وقف "خافيير" أمام شقة أم هيام، وعندما سأله حسام عن ذلك أخبره "خافيير" أنه يشعر بشيء غريب تجاه ذلك المسكن، فأصيب قلب هدى بالاضطراب وقالت لحسام:
- هذا هو سكن المرحومة هيام حبيبة زياد.. إذن قلبه يطوف حول مكان لقائهما. هل معنى ذلك أن قلب زياد يقطن صدر "خافيير"؟!
ليجيبها حسام:
- لا تُرهقي نفسكِ بالأسئلة، واستمتعي بوجود ضيوفكِ، ففي صدر أحدهما يوجد قلب زياد. أرجوكِ لا تُجهدي مشاعركِ أكثر من ذلك.
قضى الضيفان وحسام مع هدى أيامًا جميلة، عادت فيها الضحكة إلى بيتها، والسعادة إلى قلبها، وكانت تصحبهم في زياره المعالم الأثرية وفي كل شوارع القاهرة..
وقبل أن يعود الضيفان إلى إسبانيا، كان لحسام حديث قد يسعد هدى.. فقال لها:
- أريد أن أزفَّ إليكِ بشرى يا خالتي.. فقد جمع الحب بين قلب "خافيير" و"كارولين"، وقد قرَّرا إتمام مراسم الزواج بعد العودة إلى برشلونة.
سعدت هدى بهذا الخبر وهنأتهما، ووعداها أن يعودا مرة أخرى، وربما يرسلان لها في بعض الأحيان زيارة لتقضي معهما بعض الوقت.
لم يعد يهمها من منهما يحمل قلب زياد، فستبقى معهما أوقاتًا طويلة بجوار قلبه، وها هي ذي تنفذ وعدها له بألَّا تتركه، واعترفت لنفسها أنها بدأت ترتبط بكليهما.
لو كان زياد مات مرة واحدة فهي تموت كل يوم.. تموت عندما يدقُّ قلبها خوفًا أو ترتجف أوصالها لمنام تراه رعبًا.. تموت عندما تنشطر روحها في وحدتها كمدًا، أو تذبل الحياة زهدًا. تموت عندما تتذكَّر الأمس ضبابًا، أو تتمنَّى الغد سرابًا. تموت عندما تشعر بالهروب أمانًا، أو تتمنَّى الموت آمالًا..
نعم، فهي تموت وهي على قيد الحياة.
***
النهاية الثانية:
تقوم هدى مسرعة نحو الباب.. ولكنها تشعر بدوار خفيف وأن رأسها ثقيل. وعندما تصل إلى الباب وتفتحه لا تجد أحدًا! أخذت تنادي على حسام ظنًّا منها أنه نزل على الدَّرج، ولكن ما من مجيب. دخلت وأمسكت هاتفها لتتصل به فلم تجد رقمه في سجل الهاتف!
اندهشت! لقد طلبها وقال إنه في الطريق. شيء ما غريب يحدث. سمعت أصوات أقدام تأتي نحوها. فركت عينيها جيدًا فوجدته. إنه زياد الذي قبَّلها قائلًا:
- أمي، كيف أصبحتِ؟ هل أنتِ بخير؟!
تحسَّسته قائلة:
- زياد، هل أنت حقيقة أم أني أهذي؟!
قال لها:
- أعرف إن جرعة المهدِّئ الذي أخذتِه كبيرة، وقد أخبرني الطبيب الذي أحضرتُه
أنكِ ستنامين بعده مدة أطول.
عانقته باكيةً:
- زياد، أرجوك! لا تتركني. أنتَ لا تعرف ما الذي سيحدث لي إذا سافرت.
قبَّل زیاد يديها متأسفًا، وأخبرها أنه بالفعل ألغى فكرة السفر، وسيبقى معها طول العمر.
لن تحكي له كوابيسها التي رأتها في منامها، ولكنها تحسَّست موضع قلبه، فما زال يدقُّ
داخل صدره.. حقيقة لا سرابًا.
قالت له:
- أعرف أن حزنك على هيام كبير، ولكن حزني في غيابك سيكون أكبر.
أخذت تحمد المولى على أن ما رأته كابوس ستنساه في أقرب وقت، واحتضنت "زياد" فرحة.. فهل هناك أجمل من مُحبٍّ يسمع لومك وعتابك فيحتويك، أو يراك حزينًا فيواسيك، مرهقًا فيراضيك.. تجد بين أحضانه راحة أبدية من دنيا شاقة وشقية؟!
أخذت هدى تقاوم أنواع الحزن التي داهمتها، وأيقنت أن "زياد" هو طوق النجاة الذي ينقذها من الغرق في جوف الوحدة.
تعليقات
إرسال تعليق