يَومٌ فِي السَّاحلِ- مي وحش

 يَومٌ فِي السَّاحلِ

النهاية الأولى:

إنه هو.. محمود. كنت على وشك الارتماء بأحضانه، ولكنه ابتعد خطوات ليُنبهني إلى أنه لا يُمكننا فعل ذلك.

أمسك يدي التي أصبحت كقطعة ثلج في القطب الشمالي وقال لي:

"ما تخافيش، ده شامل صاحبي، ودي عربية خاله.. أصله راجل مُتصابي شوية.

وابتسم ابتسامة جعلتني أرى دفء العالم حولي.

شكر السائق على وجوده معي، وأخذني من يدي لدفء السيارة.

بلمح البصر كنت بمنزلي. طمأنني بأني ما زلتُ على روايتي القديمة، ولم يعلم بكذبي أحد.

شكرتُه وأنا أشعر بحُبه يطوف بكياني؛ فالحُب هو الأمان.. ولم أشعر بأمان قدر ما شعرت حينما رأيتُه.

احتضنتُ أمي وإخوتي، ونمت في سريري الذي يتسع لثلاثتا، وأنا أشعر أني أملك كل الدنيا بهذه الغُرفة الصغيرة، وتلك الجدران المتهالكة..

***

النهاية الثانية:

رجل يبلغ الستين من العمر، يرتدي بنطالًا وحذاءً لا يمتُّ لسنِّه بِصلة..

حتى قميصُه كان من الحرير، مرسوم عليه مزيج من السلاسل والأشكال العجيبة.

عدَّل بنطاله الذي كاد يسقط منه، واقترب مني بضع خُطوات قائلًا:

"تيجي أوصلك ولا مستنية حد"؟

شعره الأبيض الذي يكسو قليلًا من رأسه الأصلع، وتجاعيد وجهه.. لم تمنعه من تفحُّص جسدي كتاجر يريد أن يعاين بضاعته قبل شرائها!

حاولت التماسُك، ولكن أبى صوتي المُرتعش أن يُطيعني وأنا أقول: "لا، شكرًا".

حينها قام السائق ليتفقد الحوار الدائر. تُرى هل إقباله هذا لأنه وجد تسليته في قلب هذا الظلام والسكون الرهيب؟ أم أنه يريد أن يتشفَّى فيمن لم تستجب لنظراته، ويملأ عينيه من الشاة التي لم تُطعه وهي تُذبح؟

- إنت والدها يا أستاذ؟

ضحك الرجل حتى كاد طقم أسنانه يخرج من فمه وقال:

- ليه بتكبرني كده بس؟! لا يا سيدي أنا من طرف أهلها.

رد السائق موجهًا كلامه لي بمروءة لم أتصورها:

- تعرفيه يا آنسة؟

قلتُ وأنا أتوارى في السائق بعدما كنت أتوارى منه:

- لا، أول مرة أشوفه.

قال الرجل وهو مُستاء بعدما أخرج حافظة نقوده:

- ما تعرفنيش ازاي؟ ده إحنا معرفة قديمة.

ثم أخرج بعض الدولارات، التي ظننتُ أنها فور رؤية السائق لها سيدخلني السيارة بنفسه، ولكن حدث العكس..

التقط السائق في لمح البصر قالبًا من الطوب وهدَّد به العجوز، غير عابئ بورقه المُلون، ليختفى من أمامه في أقل من ثانية.

ضحك ضحكة انتصار وفخر ونظر لي وقال:

- هو محدش هياخدك ولا إيه؟ كده خطر عليكي!

قلتُ بعدما ملأ قلبي الأمان وملأت عيني الدموع:

- محدش يعرف إني هنا.

- طب يا بنتي أنا هشوف عربية واروَّحك.

لم أتخيل أن السائق الذي تصورت أنه ذئب بشري، هو مَن ألجأ إليه الآن!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صدى القسوة -جيهان سرور

ريوكيو - أماني الصغير

حَارِسُ الكَنزِ الأَخِيرِ- شيماء جاد